الموضوعية في التاريخ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الموضوعية في التاريخ

مُساهمة  ahmed bechinia في الأربعاء يونيو 29, 2011 2:24 am

تأخذ كل من العلوم الإنسانية و التجريبية على حد سواء الموضوعية ركنا أساسيا أثناء التقديم لأحد الأعمال ,و تستوجب على المقدم على أي موضوع أن يتجرد من عاطفته و نراها تحترم قلمه إن أتى بذلك فعلا ,و تهمش ما قدمه بل لا تعترف به البتة إذا لمست عاطفة حنان أو غيرة في كتاباته ..,و إذا كان الأمر يبدو هينا للمشرفين على العلوم التجريبية أو على الأقل بالنسبة لدارسيها ,فان موضوع الموضوعية ,كان و لا يزال يسيل الكثير من المداد في العلوم الإنسانية و خاصة علم التاريخ ...فيما إذا كان من السهل على المؤرخ أن يتجرد من عاطفته في كتاباته ؟و إلى أي مدى يمكن أن يتحلى بالموضوعية أثناء تدوينه للحادثة التاريخية ؟
على الرغم من اهتمام العلوم الإنسانية بالإنسان ككائن حي ,اجتماعي بطبعه ,فأنها تستوجب على الدارسين و الكتاب أن يتحلوا بسمة الموضوعية أثناء دراستهم للأعمال المنجزة أو خلال تأليفهم لها ,و لما كان علم التاريخ أحد هذه العلوم الإنسانية التي تهتم بدراسة الحادثة التاريخية انطلاقا من محركها الأول (الإنسان)في زمان و مكان معينين ,فقد جعل الموضوعية شرطا أساسيا و ركنا بالغ الأهمية بل هي أولوية لابد على المؤرخ و الدارس الإتيان بها ,أملا من خلال ذلك إلى استخراج عبرة صادقة خالصة بعيدا عن الزيف و التجميل ,و يرى المطالبون بذلك أنه طريق إلى تحميص الروايات التاريخية و مؤرخيها لذلك يستوقفون طويلا عندها و أحيانا لا يبرحون أسطرا معدودة إذا لمسوا عاطفة حقد أو ولاء ظاهر من كاتبها ,و يأخذون عليه انطلاقا من ذلك ضعف الدرس التاريخي الذي يرنون إلى اقتباسه ,أو عدم صدق و واقعية ما توصلوا إليه لعدم سلامة مقدماته و لكن :هل يمكن أن نلمس عذرا لذلك المؤرخ فيما قدمه من عمل و نغض الطرف إذا قفز على الموضوعية؟و أي درس يمكن أن يستقى إذا كان كاتبه غير مقتنع بما قدمه من دلائل و براهين لأنها أقنعت قلبه و عجزت عن تجاوز عقله ؟
يتناول الحادثة التاريخية بالشرح و التحليل إنسانا ,قبل أن يكون مؤرخا ,مدججا بقلب و عقل لا يفارقانه , أثناء قيامه بمهمته ,مقيما وسط مجتمع تحكمه قوانين ,أعرافا و معتقدات ,فيحمص وقائع و يغفل النظر عن أخرى ,لا لشيء ,إلا لأنها أساءت إلى مجتمعه و بني جلدته و يبدو الأمر أعظم و أشد إذا مس دينه و معتقده ,فأخذ مثلا المؤرخون الغربيون يحطون من انجازات المسلمين الحضارية و يقدموا أسبابا تتعارض مع حقيقة الواقع لتبرير أعمالهم الماضية فغضوا الطرف عن حقيقة الحملات الصليبية ,و استكبرت الادراة الفرنسية الحالية عن الاعتراف بجرائم قامت بها فرنسا أثناء عصرها الاستعماري في عديد الدول و عجز كثير من مؤرخيها عن الانتصار للتاريخ و قول كلمة التاريخ الصارمة ,و الأمر عينه بالنسبة للمؤرخين المسلمين فكثيرا ما تورعت الأقلام عن الخوض في حوادث إسلامية كان لها أشد الأثر في التاريخ الإسلامي فعجز المؤرخون المسلمون على تناول حادثة صفين و موقعة الجمل الشهيرتين بموضوعية ,و طغت النزعة و المذهب في كتابات كل مؤرخ و كاتب ,فتحمس الشيعي لعلي و أخطأ السيدة عائشة و حلفائها ,و انتصر السني لعلي و صحابة رسول الله -صلى الله عليه و سلم- و هناك من وقف بين الطرفين في موقع الاعتدال و حجته في ذلك ما قاله عمر بن عبد العزيز «تلك دماء طهر الله منها أيدينا فلنطهر منها ألسنتنا » ...و عجز بذلك كثير من المؤرخين على تحليل الكثير من الحوادث التاريخية و هناك من تجاوزها بحجج متباينة ,غافلين عن القيمة التي يمكن أن تجنى من تلك الحوادث حتى لا تتكرر أو على الأقل حتى لا تتكرر مقدماتها و مسبباتها ,فما قيمة التاريخ إذا عجزنا عن الاستفادة من دروسه و قضاياه بصدق و موضوعية ؟أو على الأقل إذا لم نحسن دراسته لأن عاطفتنا طغت على حكم عقلنا الصادق و الصريح .؟
فكثيرا ما عجز المؤرخ على قول كلمة الحق و الانتصار للتاريخ لا لشيء إلا لأنه أطلق العنان لقلبه و عاطفته و قيد عقله فشوه حقائق تاريخية و داس على دروس عدة غيرت منحاها ,و هو بذلك أرضى عاطفته وأغضب ضميره و أرقه ,فكثيرا ما تناولت الكتب و المراجع التاريخية السيد ‟مصالي الحاج “أحد زعماء الحركة الوطنية الجزائرية بالتلفيق و التزوير بل أعظم من ذلك بأن اتهمته بخيانة بلده و أمته قبل أن ينتصر له التاريخ حين ارتفع صوت العقل و الضمير عن طغيان المصلحة و العاطفة ..و كم هم كثيرون أمثال مصالي الحاج الجزائري ...
كم يعتبر دور المؤرخ صعبا و هو يبحث عن الحقيقة و كم هو أصعب عند إصداره الحكم لأنه مطالب بعدم الاستجابة لعاطفته و أن لا يعلو صوتها على صوت الحق و الحقيقة التاريخية و إلا فما جدوى الدرس !! و لكن :هل من الممكن حقا أن يتجرد المؤرخ من عاطفته إطلاقا ؟
على الرغم من أن مهنته صعبة ,و مهمته بالغة التدقيق و لا يشعر بقيمتها إلا القائم بها ,فان الأصعب من ذلك وقوف تلك الدراسة أمام المحكمة التاريخية التي لا تعترف بالأسماء و مدرسة الحياة التي لا تشفع لأي أحد خان التاريخ أو صنع الخيانة أو ساهم في طي الحقيقة و انتصر لذاتيته ...لأن حكمها لا يقبل الطعن على الرغم من تقديرها في التماسها الأول أن كاتب تلك الدراسة إنسانا قبل أن يكون مؤرخا ,عاطفة و عقلا ,و المؤرخ الناجح هو من ينتصر للحقيقة التاريخية فهو لم يتجاوز حدود مجتمعه و أمور دينه ما دام أنه يسعى إلى غاية نبيلة أولا و هو كشف اللثام عن أخطاء الماضي حتى لا يسقط فيها أجيال اليوم و المستقبل, فناقل الكفر ليس بكافر ,فكم من فتنة عجز القلم عن تدوينها و التأريخ لها بحجة المجتمع و عاداته و معتقداته ؟و كم من أناس همشهم التاريخ لارتفاع المصالح عن صوت الحقيقة ؟و كم من مرة أعيدت أحداثا أو الأصح من ذلك دوافعا و أسبابا مطابقة لأسباب و دوافع الماضي لأننا لم نحسن قراءتها و الاستفادة منها قبل الآن ؟
يدرك القاصي و الداني ,في ختام هذا المقال ,أن مهمة المؤرخ جد صعبة و نبيلة في أن واحد ,و الأصعب , أن نطلب منه أن يتجرد من عاطفته ,فذلك صعب إن لم نقل مستحيلا ,إلا أن الغير مستحيل ,في نظري ,هو أن يحاول بقدر ما أوتي من قوة أن ينتصر للحقيقة التاريخية ,محاولا بقدر الإمكان الدوس على عاطفته و قلبه و تجاوز بعض القيود و الحدود إذا لم يرد الانتصار للمصلحة و الحقيقة المزيفة ...أملا من خلال ذلك إلى راحة ضميره أولا و صدق درسه و قيمته الثمينة انطلاقا من صدق مقدماته و مبرراته.
avatar
ahmed bechinia
Admin

عدد المساهمات : 500
تاريخ التسجيل : 28/06/2011
الموقع : العيون،القالة،الطارف.

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://bechiniaahmed.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى