مفدي زكريا و إنتاجه الأدبي قبل مرحلة الثورة.

اذهب الى الأسفل

مفدي زكريا و إنتاجه الأدبي قبل مرحلة الثورة. Empty مفدي زكريا و إنتاجه الأدبي قبل مرحلة الثورة.

مُساهمة  ahmed bechinia في الأربعاء يوليو 06, 2011 4:40 pm

شاركت في أوّل اجتماع انعقد في مكتبة مفدي زكرياء ببني يزقن، يوم 14 فيفري 2001، للتحضير للاحتفال بالذكرى الخامسة والعشرين لوفاة شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكرياء، ومنذ ذلك الحين ارتبطت بمفدي ارتباط باحث بموضوع البحث، وهالني -من قراءاتي الأولى فيه- قلّة الضبط في تفاصيل كثيرة من حياته، ابتداء بتاريخ ميلاده، وكثرة الثغرات في مسار حياته، ممّا يجعل ما نجهله منه أكثر ممّا نعرفه، وهو ما لا يتناسب مع شخصية وطنيّة من حجم مفدي، وليس مفدي بدعا في ذلك؛

وهالني أيضا النقص الفادح فيما بين أيدينا من نصوصه الأدبيّة، فما نعرفه منها موجود في دواوينه الشعريّة المطبوعة ليس إلاّ، وما هو موجود فيها من شعره في مرحلة ما قبل الثورة لا يزيد على أصابع اليد الواحدة، ونثره فيها وفي غيرها مجهول تماما أو يكاد؛ ونتج عن ذلك أن دارت الدراسات الأدبيّة حول أدبه في فلك هذه الدواوين، وبخاصّة "اللهب المقدّس"، من غير أن نتقدّم خطوة في الكشف عن أدب شاعر ثورتنا. ولي أن أستثني في ذلك دراسة الدكتور محمد ناصر "مفدي زكرياء" الرائدة، فقد وسّع ما ضاق من معرفتنا بحياته، وأنجز بحوثا رائدة حول أدبه، وأنهاه بعدد وفير من نصوصه المغمورة، وكثير منها يرجع إلى فترة ما قبل الثورة.

دخلت مضمار البحث حول هذه الشخصية بمحاولة استكمال جهد د.محمد ناصر في جمع نصوصه الأدبيّة، فكانت ثمرته الأولى المحاضرة التي شاركت بها في فعاليات انطلاقة تظاهرة إحياء سنة مفدي زكرياء 2002، بغرداية يومي 16 و17 فيفري 2002، في ندوتها العلميّة في 17/02/02، وكانت بعنوان: "عرض عن عملية جمع تراث مفدي زكرياء الأدبيّ"؛ ثمّ أنجزت ديوانا جديدا له، طبع بعنوان، لم يكن من اختياري، وهو "أمجادنا تتكلّم .. وقصائد أخرى"، في بداية 2003.
وفي أثناء إنجاز هذا الديوان فكّرت أن أستكمل ما بدأته في بحثي لنيل الدكتوراة، فسجّلت موضوعي بعد أن استقرّ على العنوان الآتي: مفدي زكرياء وإنتاجه الأدبيّ في مرحلة ما قبل الثورة

وعليه فالبحث يؤرّخ لحياة مفدي، ولأدبه في هذه الفترة الزمنية المحدّدة، غير أنّ مرحلة ما قبل الثورة تعني أدبيّا بالنسبة لمفدي زكرياء قيام الحرب العالميّة الثانية سنة 1939، أو خروجه من السجن في 27/08/1939، لأنّ إنتاجه في الأربعينيّات وبداية الخمسينيّات قليل جدّا ونادر، ويكفي دليلا على ذلك قول أحد معارفه من صحفيّي تونس، عليّ الجندوبيّ، في جريدة "الأسبوع" ليوم 26/01/1953: «وكذلك الأخ الذي غذّى الأدب الجزائريّ زمنا، وهو الأديب الكبير مفدي زكرياء، الذي غمره الجوّ التجاريّ، فانغمس فيه، وأصبح كلّما لاقيناه في زورته لتونس، يشكو إلينا من ركود الحركة الأدبيّة بالجزائر، التي كان هو من أفذاذها العاملين فيها» [الجزائر: حياتها الأدبيّة ونوابغها، جريدة "الأسبوع" التونسيّة، س08، ع319، 11/05/1372هـ، 26/01/1953م، ص03]، والقليل الذي نشره نشره بأسماء مستعارة مجهولة عند أكثر الدارسين تخصّصا في أدبه؛ كما أنّ أرشيفه في مركز أرشيف ما وراء البحار بفرنسا لهذه الفترة ما زال أكثره غير متداول (Non communicable)؛ ممّا يجعل البحث في هذه الفترة الباقية إلى قيام الثورة سنة 1954 سابقا لأوانه، لعدم استكمال شروطه العلميّة بعد، والخوض فيه لا يخلو من آثار جانبيّة سلبيّة على البحث لا تخفى؛ ثمّ إنّ قيام الحرب العالميّة الثانية تعتبر نهاية مرحلة في حياة مفدي زكرياء، وفي تاريخ الحركة الوطنيّة على السواء؛ فكان أن توقّفت في بحثي عند خروجه من السجن سنة 1939، وحلّ حزب الشعب الجزائريّ في أواخر سبتمبر من نفس السنة.

إنّ البحث بعنوانه هذا يطمح إلى التأسيس لدراسة مفدي وأدبه في هذه الفترة، بتأريخ حياته كإنسان مناضل، وحياته كأديب، ورصد إنتاجه الأدبيّ شعرا ونثرا، وتوثيقه في مصادره الكثيرة والمتنوّعة، ودارسة بعض القضايا المتعلّقة بهذا الإنتاج منذ ميلاده شاعرا وأديبا في البعثة العلميّة المزابيّة بتونس، إلى أن أصبح أبرز أديب وشاعر في الحركة الوطنيّة الجزائريّة، ممّا لم يدرس بعد، أو أتى فيه البحث بجديد.

وقد وزّعت مادّة البحث على تمهيد وخمسة أبواب، تسبقها المقدّمة ودراسة المصادر، وتتبعها الخاتمة والملحق والفهارس:
أمّا عنصر دراسة المصادر، ففرضته مصادر جديدة، وكثيرة، ومتنوّعة، ومتباينة من حيث لغتها ومستواها، اعتمدتها في البحث، وذلك لتحديد ضوابط التعامل معها فيه، قصد استخلاص الحقيقة العلميّة منها.

والبحث بعد ذلك تاريخيّ، تحكّم في ترتيب مادّته الترتيب الزمنيّ للأحداث والوقائع: مهّدت له بتمهيد تاريخيّ، عنوانه "مزاب والعمل الوطنيّ"، يعالج مفهومي الوطنيّة لدى المزابيّين، وممارستهم لنضالهم الوطنيّ بحسبهما، لأنّ مفدي -وهو مزابيّ- قد تأثّر بذلك، وظهر أثره في مسيرته النضاليّة، وفي أدبه على السواء.

بعد ذلك تتبّعت حياته في ثلاثة أبواب، من جدّه الأكبر "باسعيد"، إلى خروجه من السجن مع مصّالي الحاج وزملائهما، على سا 03 من صباح يوم 27/08/1939. وقد درجت في التأريخ لحياته على التركيز على دائرة حياة مفدي، لا أتجاوزها إلى ما يليها من دوائر ترتبط بها، كالبعثة العلميّة المزابيّة بتونس، في مرحلة التكوين؛ ونشاطات حزب الشعب الجزائريّ في مرحلة النضال الوطنيّ والسياسيّ؛ وملحمة السجن السياسيّ، في مرحلة السجن، إلاّ إذا كانت الواقعة ممّا لم يسبق بحثه، وكانت تضيء جوانب من حياته تساعدنا على فهمه، وفهم مواقفه فيها كإنسان، وكمناضل أديب؛ فجاءت حياته موزّعة على الأبواب الثلاثة كالآتي:

الباب الأوّل: فترة التكوين (1908-1931).
اهتممنا فيه بنسبه وعائلته لبيان مقامها في بني يزقن، وفي مزاب، ممّا فسّر لنا ما يتمتّع به شاعرنا من اعتزاز بانتمائه، واعتداد به؛ وبعد بيان نشأته الأولى، كشفنا عن الدور الكبير للبعثة العلميّة المزابيّة بتونس، في تشكيل وعيه وشخصيّته الأدبيّة والنضاليّة، وتحديد موقفه في الحياة، وهو العمل على نهضة وطنه بمختلف مستوياته، مزاب والجزائر والمغرب العربيّ. ثمّ تتبّعنا خطواته الأولى في الحياة العمليّة، وكانت متعثّرة، لأنّه كان يبحث عن عمل يناسب شخصيته، ويناسب ما نذر حياته له.

الباب الثاني: فترة النضال الوطنيّ والسياسيّ (1932-1937).
وقفنا فيه على بداية خروجه من فلك البعثة وشيوخها سنوات بعد عودته من تونس، عندما حقّق استقلاله الاقتصاديّ، بإنشائه شركة زكرياء وعبد الجبّار؛ وتبعه انفكاكه من العمل الوطنيّ المزابيّ الصّرف، وتفتّحه على الحركة الإصلاحيّة الجزائريّة، والنضال السياسيّ على مستوى المغرب العربيّ في مؤتمرات طلبة شمال إفريقيا؛ ورأينا دخوله عالم الحركة الوطنية الجزائريّة من بابه الواسع، بعد خطاب مصّالي الحاج الشهير، في 02 أوت 1936، فقد انخرط في حزب "نجم شمال إفريقيا"، ليصبح بعد مدّة وجيزة رئيسه بالجزائر؛ ونفس المنصب تولاّه عند إنشاء حزب الشعب الجزائريّ، بعد حلّ النجم؛ وأبنّا بصفة خاصّة عن بصمات مفدي في توجّه الحزبين، فقد سعى إلى جعله أكثر جزائريّة بإدراج الحرف العربيّ في أدبياته ومناشيره، وبفرض أولوية نشاط الحزب بالجزائر على فرنسا.

ثمّ استقصينا نشاطه في إطار نشاطات الحزب غير المسبوقة بعد عودة مصّالي في 20 جوان 1937، في مدّة وجيزة لا تزيد على شهرين، بالإضافة إلى صراعاته ضمنها خاصّة مع المؤتمر الإسلاميّ، وانتهى كلّ ذلك بإيداعه بمعية مصّالي وقادة الحزب السجن، يوم 27/08/1937.

الباب الثالث: فترة السجن (1937-1939).
اهتممنا فيه بوضعه في السجن مع رفقائه، وتتبّعنا فصول محاكمتهم في المحكمة الابتدائيّة، ثمّ في محكمة الاستئناف، وأخيرا في محكمة النقض والإبرام؛ وكفاحهم أثناء ذلك من أجل افتكاك الحقّ في السجن السياسيّ، بداية بالإضراب عن الطعام في أكتوبر1937، إلى افتكاك هذا الحقّ بتاريخ 31/05/1938، بحكم محكمة باريس؛ كما تتبّعنا الحالة النفسيّة لمفدي في السجن منذ دخوله إليه، ولاحظنا صعوبتها بعد وفاة والده، وهو على خلاف معه بسبب نشاطه السياسيّ، وما ترتّب عن موته من مزيد تدهور في وضعه ووضع عائلته الاجتماعي، وهي حالة لم يؤثر فيها كثيرا تواصله مع خارج السجن بعد استفادته وزملائه من نظام السجن السياسيّ، وإنّما أفضى به إلى موقف جديد في حياته، لاحت بوادره وهو في السجن، وهو الإسهام في العمل الوطنيّ، لكن بعيدا عن الأضواء، ليهتمّ أكثر ببناء أسرته، والقيام بمسؤولياته اتّجاهها.

ولأنّ البحث في حياة مفدي هو بالضرورة بحث في تاريخ الحركة الوطنيّة، لأنّه كان من أبرز شخصياتها، فلا عجب أن يجد القارئ للبحث عددا وفيرا من تفاصيل هذا التاريخ، فيما يتعلّق بمحيطه القريب: نجم الشمال الإفريقيّ، وحزب الشعب الجزائريّ، وبما يتعلّق بنشاطه فيهما على وجه الخصوص، ممّا لم أقف عليه في الدراسات السابقة؛ واهتممت مقابل ذلك -استكمالا للصورة- بمواجهة الإدارة الاستعماريّة الفرنسيّة لعمل الحزبين الوطنيّين، بالجزائر وبفرنسا، بداية من حلّها للنجم في 26/01/1937، إلى سعيها الحثيث إلى حلّ حزب الشعب الجزائريّ، فتمّ إقراره بتاريخ 26/09/1939، وقد كشفنا في ثنايا ذلك عمّا رافق هذه المواجهة من خلافات داخل الإدارة الاستعماريّة بين الجزائر وفرنسا، وداخل الإدارة الاستعماريّة بالجزائر.

ثمّ أرّخت لحياته الأدبيّة وإنتاجه في بابين اثنين، لأنّها تنقسم فعليّا إلى قسمين اثنين لا غير، هما: فترة العمل الوطنيّ المزابيّ، وقد تزامن مع بداياته في دنيا الأدب؛ وفترة العمل الوطنيّ الجزائريّ، وكانت مرحلة تأكيد لسابقتها، وتألّق في الساحة الأدبيّة على مستوى الجزائر وشمال إفريقيا، فكان البابان كالآتي:

الباب الرابع: البدايات (1921-1931)
وفيه كان اهتمامنا منصبّا على حياة مفدي زكرياء الأدبيّة، وعلى إنتاجه فيها، في فترة ما بين سنتي 1921 و1931، وهو ما أمكننا من تحديد ميلاده أديبا وشاعرا في البعثة العلميّة المزابيّة بتونس، وإيضاح أثر تكوينه الأوّل في مدرسة "السلام"، في اكتشاف موهبته الأدبيّة والشعريّة، وأثر نشاطات البعثة، وجمعية "الوفاق" فيها، في صقلها وإبرازها؛ ومن تتبّع نجاحاته الأدبيّة الأولى خارج إطار البعثة، وبدعم وتوجيه من رؤسائها؛ كما أَوْقَفنا على تراجع إنتاجه الأدبيّ بعد قطع دراسته بتونس، وعودته إلى مزاب، ثمّ دخوله الحياة العمليّة؛ وملاحظة محاولاته المتكرّرة في التوفيق بين حياته العمليّة في التجارة التي لا تتّسع لحرفة الأدب، والحفاظ على جذوة الأدب متّقدة في نفسه، فنجح حيث أخفق غيره، بعد معاناة.

الباب الخامس: التأكيد والتألّق (1932-1939)
كان التركيز فيه على مسيرة مفدي الأدبيّة وإنتاجه، بداية من تحقيق استقلاله في حياته الشخصيّة على جميع الأصعدة في سنة 1932 إلى خروجه من السجن في 1939، فأمكننا تتبّع إنتاجه الغزير فيها من بيان نقلته النوعيّة من العمل الوطني المزابيّ إلى العمل الوطنيّ الجزائريّ، وملاحظة توجّهه إلى العمل في حقل الصحافة بالموازاة مع أعماله الأخرى: عمل مراسلا لجريدة "النهضة"، وسعى لإنشاء صحيفة على مستوى المغرب العربيّ "الحياة"، وشارك في هيئة تحرير جريدة "الجحيم"، وانتهى إلى إصدار العدد الأوّل من جريدة "الشعب" لسان حال "حزب الشعب الجزائريّ" الناطق باللغة العربيّة في الجزائر، قبل دخوله السجن في أوت 1937؛ كما كشف لنا عن انحسار كبير عرفه إنتاجه الأدبيّ في السجن، بسبب ظروف السجن عموما، وبسبب موت والده وهو غير راض عنه انغماسه في السياسة بصفة خاصّة؛ وإذا كان مفدي قد استرجع بعضا من حيويّته ونشاطه بعد استفادته وزملائه من مزايا السجن السياسيّ، فإنّه لم يبلغ الحدّ الذي كان عليه قبل دخول السجن، ولا ما يقاربه، فكان إنتاجه قليلا نادرا بالرغم من قيمته الأدبيّة والفكريّة.
وقمنا في البابين الأخيرين بإحصاء ما أنتجه مفدي في الفترة المدروسة من نصوص أدبية في أغلبها، وميّزنا بين ما وقفنا عليه، وما بقي في عداد المفقود، فتوضّحت بذلك فترات المدّ والجزر في إنتاجه، لنحاول بعد ذلك تفسيرها في ختام الباب الخامس من خلال أحداث حياته؛ ثمّ ركّزنا في ختام البابين: على خطواته الأولى في الشعر والنثر، لبيان نبوغه المبكّر، ومحاولة تغلّبه على العوائق التي اعترضته في هذا السبيل، لأنّه كان عصاميّا؛ وعلى منطلقاته الفكريّة والأدبيّة التي كانت من أثر تكوينه الأوّل في البعثة العلميّة المزابيّة بتونس، ثمّ تعمّقت بفعل الممارسة والتجربة، فلم نلمح تغييرا وإنّما لاحظنا تأكيدا وترسيخا لها؛ وعلى الحسّ الوطنيّ والثوريّ منذ نصوصه الأولى، فتتّبعنا مراحل صعوده عند ظهور أمل جديد في نهضة بلاده وانعتاقه، وهبوطه عند فقدان هذا الأمل، وقد أفضى بنا إلى الوقوف على أوج مدّه الثوريّ وتألّقه في قصيدته الأخيرة قبل دخوله السجن، إذ كانت لا تبعد كثيرا عن شعره الثوريّ إبّان الثورة التحريريّة الكبرى؛ وأخيرا على بيان مفهومه للأدب والشعر ورسالتهما في الحياة، فإذا هي رسالة وطنيّة في البدء والمنتهى.
وذيّلت البحث بعد الخاتمة، وقبل الفهارس المعهودة في البحوث العلميّة، بملحق استعرضت فيه جملة من الوثائق الأساسيّة في البحث، ممّا لم يسبق نشره.

وغنيّ عن البيان أنّ المنهج المتّبع في هذه الدراسة هو المنهج التاريخيّ، لأنّ هذا البحث يندرج في تاريخ الأدب الجزائريّ الحديث من جهة؛ ولأنّ طموحه إلى التأسيس لدراسة مفدي وأدبه، لا وجه لتحقيقه من غير التأريخ لهما من جهة ثانية؛ ولميزة أساسية في أدب مفدي من جهة ثالثة، يفصح عنها بنفسه، فيما يتعلّق بشعره، في لقاء إذاعيّ بعنوان "زيارة خاطفة"، ينشّطه الشّاعر والأديب عبد المجيد بن جدّو، بُعَيْدَ صدور ديوانه "تحت ظلال الزيتون"، فعندما سأله عن ترتيب قصائده في الديوان، قال: «لم اهتمّ بترتيب قصائدي في الديوان ترتيبا زمنيّا باعتبارها مراحل في حياتي فحسب، وإنّما لأنّ شعري سواء في "اللّهب المقدّس"، أو في "تحت ظلال الزيتون"، يسجّل الأحداث القوميّة، وهي أبرز ظاهرة في قصائدي [...]، ولذلك أحبّ دائما ترتيب شعري ترتيبا تاريخيّا، لكي يكون عبارة عن ظلّ أو شبح لتاريخ الأحداث القوميّة في تلك المدّة، وهو نفس النظام الذي سرت عليه في "اللّهب المقدّس"»، فهذا الارتباط الواعي بصيرورة الأحداث، يجعل فهم الكثير من شعره مرهونا بإدراك سياقه التاريخيّ.

أمّا صعوبات البحث فأوجز أهمّها فيما يلي:
إنّ تجربتي السابقة في تحقيق كتاب من القرن الثامن الهجريّ، رسّخ اعتقادي بضرورة توسيع نطاق البحث خارج دائرته المحدّدة بالعنوان، ويعني فيما يعنيه، في مرحلة جمع المادة، جمع كلّ ما له علاقة بالبحث من قريب أو بعيد، فعندما استفدت من منحة لإتمام البحث بالخارج، أمضيت ثمانية أشهر كاملة، أنقّب في وثائق مركز أرشيف ما وراء البحار بفرنسا، لأستخلص عددا وفيرا من الوثائق المتعلّقة بمفدي، وعددا أوفر، يساوي أضعاف أضعاف ما سبق، يخصّ ارتباطات مفدي في حياته النضاليّة والأدبيّة؛ ولئن أفادني هذا المسلك في البحث إفادات جمّة، فإنّه قد التهم من زمن البحث قدرا كبيرا، فطالت مدّته، وتجاوز آجاله المحدّدة.

ويترتّب على هذا المسلك في مرحلة التحرير أن أستقصي المعلومة في كلّ جزئيّة من جزئيات البحث في مئات الوثائق، ثمّ لا أجدها إلاّ أجزاء متفرّقة في وثائق عديدة، عليّ أن أجمعها، بعد امتحان صحّتها، وأن أعيد بناءها بناء متناسقا، مع توثيقها توثيقا علميّا صارما، مع ما يرافقه أحيانا من ترجمة فقرات من اللغة الفرنسيّة، وهو جهد يستغرق وقتا طويلا، فطالت مدّة البحث، وتجاوز آجاله المحدّدة.

وعليه فأهمّ صعوبة واجهتني في البحث، كانت محاولة الانفكاك من ضغط الوقت المحدّد لإتمام البحث، لأنجز عملا علميّا مرضيّا بمقاييسه، وزاد من حدّته واقع للبحث العلميّ في جزائرنا، يجعل الأولوية فيه للشهادة لا للبحث، ومنه قلّة النماذج الإيجابيّة التي تدعم معنويّا مثل هذا المسلك الذي اخترته؛ فكان صراعا حادّا يتجدّد كلّما انفتحت أمامي مكتبة، أتوقّع أن أجد فيها مادّة لبحثي، ولو وثيقة واحدة؛ وكلّما قوّمت عملي في التحرير، على كثرة ساعات العمل فيه، فوجدته يسير بخطى السلحفاة؛ ويمكن أن أقول بعد تمام البحث: إنّي -بحمد الله- حسمت الصراع لصالح البحث في الأغلب الأعمّ، لأنّني كنت كلّما راودتني فكرة استبعاد الفحص المجهريّ للمادّة، وتعويضه بفحص العين المجرّدة على ضعفها، ردّني إلى الجادّة شعوري بواجب أداء أمانة البحث، وأعانني عليه ما تعوّدت عليه في بحوثي السابقة، ورجائي عند الله تعالى أن أكون قد وفّقت بعض التوفيق.

إنّ جلّ ما تناولناه في بحثنا هذا جديد، لاعتمادنا على مصادر لم نسبق إليها، وهو ما يبيّن ثراء هذا الموضوع؛ ورجائي -فيما يتعلّق بآفاق البحث- أن يفسح بسبب من ذلك المجال لبحوث أخرى، تتمّم ما سبق من بحوث، وما أنجزناه في عملنا هذا، خاصّة فيما يتعلّق بأدبه، فإنّني لا أدّعي الإحاطة بجميع ما أنتجه، والمفقود من أدبه في هذه الفترة كثير؛ ثمّ تأتي بعد ذلك مرحلة 1940-1954، فهي فترة هامّة في حياة مفدي وتاريخ الحركة الوطنيّة، تتميّز بحساسيتها، تتطلّب استقصاء واسعا، وبحثا دقيقا عن إنتاجه، الذي نشره بأسماء مستعارة غير متداولة.

ثمّ إنّ مسحي لعدد من الصحف الجزائريّة كجريدة "النجاح"، وجرائد الشيخ أبي اليقظان، و"الشهاب"، و"الحياة"، و"الجحيم"، و... ؛ والصحف التونسيّة كجريدة "الزهرة"، و"الوزير"، و"النهضة"، و... -أطلعني على عدد وفير من النصوص الأدبيّة لأدباء جزائريّين، شعراء وكتّاب، منهم من لم يستكمل جمع إنتاجه كمفدي، ومنهم من لا يزال في عداد المغمورين حتّى عند المختصّين، بعد ما يقارب نصف قرن من الاستقلال، وهي مدّة تقطع العذر في تقديري، إذا كنّا حريصين على شخصيتنا الوطنية الجزائريّة، وشخصيتنا الأدبيّة، ويؤلمنا تدهورهما في واقعنا اليوميّ؛ ولا يمكن تدارك هذا الوضع إلاّ إذا أفسحنا المجال في بحوثنا الجامعيّة للتأريخ لأدبنا قديمه وحديثه، وهو ما يشكو -بحسب تجربتي المتواضعة في الجامعة- انحسارا، مقارنة بما يتطلّبه العمل من جهود جبّارة، بسبب انسياق جلّ بحوثنا وراء مناهج الدراسة الأدبيّة الحديثة، وعزوفها عن المنهج التاريخيّ، ولا سبيل للتأريخ لأدبنا بغيره.

هذه صورة للبحث نظريّا، بالإضافة إلى صورة مركّزة لمنجزه فعليّا، ولا أدّعي بلوغ مستوى المطابقة بينهما، فالعمل الإنسانيّ -لا محالة- يعتوره النقص بطبيعته، وإنّما وكد الباحث المجدّ أن يحدّ منه قدر الجهد والطاقة.

وفي الختام لا يسعني سوى أن أتقدّم بخالص الشكر -بداية- لأستاذي المشرف، الأستاذ الدكتور محمد زمري، لصبره معي، ولثقته، ولنصائحه وتوجيهاته القيّمة والمفيدة؛ ثمّ لكلّ من كان لي عونا على مشقّات هذا البحث، وهم كثر لا سبيل إلى إحصائهم، فإلى كلّ هذه الأيادي البيضاء عليّ وعلى البحث جزيل شكري، وعظيم امتناني، لما لها من فضل كبير -بعد فضل اللّه وتوفيقه- في إنجاز هذا العمل، وأسأل اللّه تعالى أن يجزيها الجزاء الأوفى.

وأخيرا أحمد اللّه أوّلا وآخرا على ما أولاه من توفيق في طلب المادّة، ونجح في تمام المسعى بتحرير البحث، وما غمرني به من نعمائه أثناء ذلك، فرزقني الثبات والإقدام برغم العوائق والمثبّطات؛ وأسأله التوفيق في قابل بحوثي ودراساتي، واللّه الموفّق للصواب.

المصدر:مصطفى حمودة،مفدي زكريا و إنتاجه الأدبي...فيكوس نت.
ahmed bechinia
ahmed bechinia
Admin

عدد المساهمات : 500
تاريخ التسجيل : 28/06/2011
الموقع : العيون،القالة،الطارف.

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://bechiniaahmed.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مفدي زكريا و إنتاجه الأدبي قبل مرحلة الثورة. Empty رد: مفدي زكريا و إنتاجه الأدبي قبل مرحلة الثورة.

مُساهمة  salima في الأربعاء يوليو 06, 2011 4:44 pm

احمد هل انت مع فكرة ان الالهام يصب جزافا على مفدي ؟؟ وهل تعتبره حقا مبدع.....؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

salima
مشرف
مشرف

عدد المساهمات : 494
تاريخ التسجيل : 01/07/2011
العمر : 31
الموقع : ب ب ع

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مفدي زكريا و إنتاجه الأدبي قبل مرحلة الثورة. Empty رد: مفدي زكريا و إنتاجه الأدبي قبل مرحلة الثورة.

مُساهمة  ahmed bechinia في الأربعاء يوليو 06, 2011 4:50 pm

لم لا سليمة؟!!!!!
يعجبني في شعره تميزه بقوة الكلمات في شعره الثوري حتى تجعلك تحسين أنها تساند الثوار في معركتهم،و تحارب معهم القوة الاستعمارية...
ahmed bechinia
ahmed bechinia
Admin

عدد المساهمات : 500
تاريخ التسجيل : 28/06/2011
الموقع : العيون،القالة،الطارف.

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://bechiniaahmed.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مفدي زكريا و إنتاجه الأدبي قبل مرحلة الثورة. Empty رد: مفدي زكريا و إنتاجه الأدبي قبل مرحلة الثورة.

مُساهمة  salima في الأربعاء يوليو 06, 2011 4:52 pm

احمد ادخل للفايسبوك
هو حقيقة شعره ثوري رنان لكنه كثير الاقتبااااااااااااااااااس

salima
مشرف
مشرف

عدد المساهمات : 494
تاريخ التسجيل : 01/07/2011
العمر : 31
الموقع : ب ب ع

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى