الحديث الثاني: الإسلامُ والإيمانُ والإحسان

اذهب الى الأسفل

الحديث الثاني: الإسلامُ والإيمانُ والإحسان

مُساهمة  imenmaymouna في الثلاثاء أغسطس 23, 2011 3:16 pm


الحديث الثاني: الإسلامُ والإيمانُ والإحسان
من الأربعون النووية

عن عمر رضي الله عنه أيضاً قال: «بينما نحن جُلُوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ إذ طلع علينا رجلٌ شديدُ بياضِ الثِّيابِ شديدُ سوادِ الشَّعرِ، لا يُرى عليه أثر السَّفر ولا يعرفُهُ منَّا أحدٌ، حتى جلس إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأسند رُكبتيهِ إلى رُكبتيهِ؛ ووضع كفَّيْهِ على فخذيه، وقال: يا محمَّدُ أَخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أنْ تشهد أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّداً رسول الله، وتقيم الصَّلاة، وتُؤتي الزَّكاة، وتصوم رمضان، وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقتَ. فعجبنا له يسأله ويصدِّقه. قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أنْ تؤمن باللهِ، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتُؤمن بالقدرِ خيرِهِ وشرِّهِ. قال: صدقتَ. قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أنْ تعبدَ الله كأنَّك تراه فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك. قال: فأَخبرني عن السَّاعة، قال: ما المسؤولُ عنها بأعلم من السَّائل. قال: فأَخبرني عن أماراتها، قال: أنْ تلد الأمة ربَّتها، وأنْ ترى الحُفاةَ العُرَاةَ العالَةَ رِعاءَ الشَّاءِ يتطاولون في البينان، ثمَّ انطلق، فلبثتُ مليّاً ثمَّ قال: يا عمرُ، أتدري منِ السَّائل؟ قلت: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ. قال: فإنَّهُ جبريلُ أتاكم يُعلِّمكم دينكم»

رواه مسلمٌ.


* أهميته:

قال ابن دقيق العبد: هذا حديث عظيم اشتمل على جميع وظائف الأعمال الظاهرة والباطنة، وعلوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه؛ لما تضمنه من جمعه علم السنة، فهو كالأم للسنُّة؛ كما سميت الفاتحة «أم القرآن»؛ لما تضمنته من جمعها معاني القرآن.

وهو من الأحاديث المتواترة؛ لأنه ورد من رواية ثمانية من الصحابة الكرام هم: أبو هريرة، وعمر، وأبو ذر، وأنس، وابن عباس، وأبو عامر الأشعري، وجرير البجلي رضي الله عنهم.

* لغة الحديث:

«بينما»: بين ظرف زمان، وما زائدة. وفي رواية «بينا».

«إذ طلع»: إذ حرف مفاجاة. أي يخرج علينا فجأة.

«ووضع كفيه على فخذيه»: أي فخذي نفسه كهيئة المتأدب. وفي رواية النسائي «فوضع يديه على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم» والرواية الأولى أصح وأشهر.

«أخبرني عن الإسلام؟»: أخبرني عن حقيقته وأعماله شرعاً، وكذلك «أخبرني عن الإيمان» و«الإحسان».

«فعجبنا له يسأله ويصدقه»: أي أصبنا العجب من حاله، وهو يسأل سؤال العارف المحقق المصدق. أو عجبنا؛ لأن سؤاله يدل على جهله بالمسؤول عنه، وتصديقه يدل على علمه به.

«أن تؤمن بالله..»: الإيمان لغة التصديق والجزم في القلب، وشرعاً: التصديق بما ذكر في الحديث.

«فأخبرني عن الساعة؟»: أخبرني عن وقت مجيىء يوم القيامة.

«أمارتها»: بفتح الهمزة جمع أمارة: وهي العلامة. والمراد علاماتها التي تسبق قيامها.

«أن تلد الأمة ربتها»: أي سيدتها. وفي رواية «ربها» أي: سيدها. والمعنى أن من علامات الساعة كثرة اتخاذ الإماء ووطئهن بملك اليمين، فيأتين بأولاٍهم أحرار كآبائهم، فإنَّ ولدها من سيدها بمنزلة سيدها، لأن ملك الوالد صائر إلى ولده، فهو ربا ربها من هذه الجهة. وقيل: هو كنية عن كثرة عقوق الأولاد حتى يخاف الوالد من ولده كما يخاف الرقيق من سيده. والعبارة كناية عن فساد الزمن وانقلاب الأحوال.

«الحفاة العراة العالة»: الحفاة: جمع حاف، وهو من لا نعل في رجليه. العراة: جمع عارٍ، وهو من لا ثياب على جسده. العالة: جمع عائل، وهو الفقير.

«رعاء الشاء»: جمع راع، وهو الحافظ، ويجمع على رعاة أيضاً. والشاء: جمع شاة، وهي واحدة الضأن.

«يتطاولون في البنيان»: يبنون الأبنية العالية تفاخراً ورياءً.

«فلبثتُ ملياً»: انتظرتُ وقتاً طويلاً؛ أي: غبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث ليالٍ كما في رواية، ثم لقيته.

* فقه الحديث وما يرشد إليه:

1- تحسين الثياب والهيئة: يستحسن ارتداء الثياب النظيفة، والتطيب بالرائحة الزكية لدخول المسجد وحضور مجالس العلم، والتأدب في مجالس العلم ومع العلماء، فإن جبريل عليه الصلاة والسلام أتى معلماً للناس بحاله ومقاله.

2- ما هو الإسلام؟: الإسلام لغة: الانقياد والاستسلام لله تعالى. وهو شرعاً: قائم على أسس خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة في أوقاتها كاملة الشروط والأركان، مستوفاة السنن والآداب، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت الحرام مرة في العمر على من قدر عليه وتوفر له مؤونة السفر من الزاد والراحلة ونفقة الأهل والعيال.

3- ما هو الإيمان؟: الإيمان لغة: التصديق، وشرعاً التصديق الجازم بوجود الله الخالق وأنه سبحانه واحد لا شريك له.

والتصديق بوجود خلق لله هم الملائكة، وهم عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، خلقهم الله من نور، لا يأكلون ولا يتصفون بذكورة ولا أنوثة ولا يتناسلون، ولا يعلم عددهم إلا الله تعالى.

والتصديق بالكتب السماوية المنزلة من عند الله تعالى وأنها شرع الله قبل أن تنالها أيدي الناس بالتحريف والتبديل.

والتصديق بجميع الرسل الذين اختارهم الله لهداية خلقه، وأنزل عليهم الكتب السماوية، والاعتقاد أن الرسل بشر معصومون.

والتصديق بيوم آخر، يبعث الله فيه الناس من قبورهم، ويحاسبهم على أعمالهم ويجزيهم عليها إن خيراً وإن شراً فشر.

والتصديق بأن كل ما يجري في هذا الكون هو بتقدير لله تعالى وإرادته، لحكمة يعلمها الله تعالى.

هذه هي أركان الإيمان، من اعتقد بها نجا وفاز، ومن جحدها ضل وخاب؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء: 136].

4- الإسلام والإيمان: ومما تقدم تعلم أن الإسلام والإيمان حقيقتان متباينتان لغة وشرعاً، وهذا هو الأصل في الأسماء المختلفة، وقد يتوسع الشرع فيطلق أحدهما على الآخر على سبيل التجوز. ولا عبرة بإيمان دون إسلام، كما لا عبرة بإسلام دون إيمان؛ لأنهما متلازمان، فلا بد من الإيمان بالقلب والعمل بالأعضاء.

5- ما هو الإحسان؟: الإحسان هو الإخلاص والإتقان، أي تخلص في عبادة الله وحده مع تمام الإتقان كأنك تراه وقت عبادته، فإن لم تقدر على ذلك فتذكر أن الله يشاهدك ويرى منك كل صغير وكبير.

6- السعة وأماراتها: علم وقت قيام القيامة، مما اختص الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحداً من خلقه ملكاً كان أو رسولاً، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: « ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». ولكنه أجابه عن بعض أماراتها التي تسبقها وتدل على قربها:

أ- فساد الزمن، وضعف الأخلاق، حيث يكثر عقوق الأولاد ومخالفتهم لآبائهم فيعاملونهم معاملة السيد لعبيده.

ب- انعكاس الأمور واختلاطها؛ حتى يصبح أسافل الناس ملوك الأمة ورؤساءها، وتسند الأمور لغير أهلها، ويكثر المال في أيدي الناس، ويكثر البذخ والسرف، ويتباهى الناس بعلو البنيان، وكثرة المتاع والأثاث، ويتعالى على الخلقويملك أمرهم من كانوا في فقر وبؤس، يعيشون على إحسانالغير من البدو والرعاة وأشباههم.

7- السؤال عن العلم: المسلم إنما يسأل عما ينفعه في دنياه أو آخرته، ويترك السؤال عما لا فائدة فيه. كما ينبغي لمن حضر مجلس علم، ولمس أن الحاضرين بحاجة إلى مسألة ما، ولم يسأل عنها أحد، أن يسأل هو عنها وإن كان هو يعلمها، لينتفع أهل المجلس بالجواب. ومن سئل عن شيء لا يعلمه وجب عليه أن يقول: لا أعلم، وذلك دليل ورعه وتقواه وعلمه الصحيح.

8- من أساليب التربية: طريقة السؤال والجواب، من الأساليب التربوية الناجحة قديماً وحديثاً، وقد تكررت في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في كثير من الأحاديث النبوية، لما فيها من لفت انتباه السامعين وإعداد أذهانهم لتلقي الجواب الصحيح.

* أهم المصادر والمراجع:

- الوافي في شرح الأربعين النووية: د. مصطفى البغا / محي الدين مستو.

- صحيح الإمام مسلم: الإمام مسلم بن الحجاج القشيري.

- الرياض الندية في شرح الأربعين النووية: الإمام ابن دقيق العيد / العثيمين / الإمام النووي.

- الجواهر اللؤلؤية في شرح الأربعين النووية: محمد عبدالله الجرداني.

- شرح الأربعين النووية: الإمام النووي.

imenmaymouna
مشرف
مشرف

عدد المساهمات : 205
تاريخ التسجيل : 07/07/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى