الأدب في عصر الانحدار د . منذر عمران الزاوي

اذهب الى الأسفل

الأدب في عصر الانحدار د . منذر عمران الزاوي

مُساهمة  fouzia في الجمعة أغسطس 19, 2011 1:30 pm


اضطربت الاوضاع الاجتماعية والسياسية للمجتمع العربي بعد سقوط بغداد في أيدي المغول ولم تبق هناك حكومة مركزية يمكن الرجوع اليها ولو اسميا لتجميع كلمة المسلمين فبدأ المجتمع العربي مرحلة من أخطر مراحله حيث دب الضعف والتواكل وخرب التتار الثقافة والحضارة بكل همجية وحقد فلم يعد الناس امينين على انفسهم بعد ان كثرت الفتن والمكائد والانقلابات , ولم يكد العرب يخرجون من هذه الفترة الا وجاءتهم جحافل غزاة من نوع آخر انهم العثمانيون الذين مارسوا ظلما فادحا كان شديد الوطأة على الناس فكان هذا العصر عصر انحدار بكل المقاييس حيث ضعفت الهمم وتراخت العزائم وساءت الاخلاق وانقسمت اهواء الناس الى فسطاطين فمنهم من لحق بركب الشهوات والاباحة والتمتع في الدنيا ظنا منه انه سوف ينسى وضعه الاجتماعي القاسي لو تسلى عنه بما يشغله من لذائذ الدنيا , ومنهم من تعلق بحبائل الدين والاخلاق واسترجع امجاد الماضي وعاد الى السيرة النبوية وقصص الاولياء والصحابة مستوحيا منها منهجا لاصلاح المجتمع الفاسد والتجأ قسم من الادباء الى المدائح النبوية .

كان هذا العصر مصيبة من المصائب التي حلت بالأدب والشعر فقد أتلف الغزاة عصارة الفكر العربي واحرقوا نتاج العقول النيرة وهدموا بمعاول التخريب مابناه فطاحل العلماء عبر مئات السنين فكان العرب حالهم في ذلك حال السفن التي فقدت دفتها وأخذت امواج النكبات تتقاذفها يمنة ويسرة .
وقف الادباء والشعراء مكتوفي الايدي ولم يكن همهم ان يتابعوا مسيرة الابداع بقدر ماكان همهم انقاذ مايمكن انقاذه من كنوز العرب التي اتلفت فبدأ كثير منهم بانتشال وتجميع التراث الضائع وسمي هذا العصر بعصر الموسوعات الكبيرة ومن منا لم يسمع بمعجم البلدان لياقوت الحموي ولسان العرب لابن منظور والكامل في التاريخ لابن الاثير ووفيات الاعيان لابن خلكان .
وقد لجأ الشعراء الى الدين يستعينون به في الصبر على محن العصر ويطلبون شفاعة الانبياء والاولياء فكثرت المدائح للكعبة المشرفة وللنبي محمد (صلى الله عليه وسلَّمَ ) ولدين الاسلام متضرعين الى الله آملين ان يجدوا في الحياه الآخرة حياة أفضل من حياتهم الدنيا وقد امتازت القصائد الدينية بالجزالة وصدق العاطفة وجمال المعنى والمبنى فجاء البوصيري برائعته "قصيدة البردة" وهي قصيدة في مدح النبي محمد عارضها كثير من الشعراء ونسجوا على منوالها , ويقول فيها :

أمن تذكر جيران بذي سلــــــــــــم....... مـزجت دمعا جرى من مقلة بدم
يالائمي في الهوى العذري معذرة ..... .. مني اليك ولو انصفـــت لم تلم
محمـــد سيد الكونين والثقلـ ـــــــــ ... ـين والفريقين من عرب ومن عجم

وقد شاعت امثال هذه القصائد نظرا لتزاحم المصائب على الناس واشتداد الظلم وعسف السلطة وحاجة الناس الى لقمة العيش فالتجؤوا الى خالق الاكوان طالبين حمايته ورافته كي يخلصهم من وضعهم المزري , وكان هذا الشعر شبيها بتيار الزهد والتصوف الذي نشأ في فترات سابقة ويمكن اعتباره امتدادا له .

وكثرت في هذه القصائد التي سميت بالبديعيات انواع وافانين من المحسنات البديعيةلم يالفها الناس سابقا . قال صفي الدين الحلي على منوال قصيدة البردة :

إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم........واقر السلام على عرب بذي سلم
ابيت والدمع هام هـــامل ســــــرب ...... والجسم في اضم لحم على وضـم

وقد نزع بعض الشعراء الى الحكمة والتأمل هربا من العيش الثقيل ودعوا الى الزهد في شهوات الدنيا والتأمل في الحياة الفانية وأخذ العظة من حوادث الدهر فقال ابن الوردي الذي عاش حياته فقيرا محتاجا :

اعتزل ذكر الغاني والغزل......وقل الفصل وجانب من هزل
ودع الدنيا لايام الصبــــــا......فلايــــــــــام الصبا نجــــم أفل
كتب الموت على الخلق فكم.... فل مـــن جيش وأفنى من دول

وكانت مثل هذه القصائد لسان حال المواطن العربي الفقير الذي رزح تحت ثقل الخطوب فزهد في حياته وبردت همته .

وقد برز في هذا العصر شعراء حاولوا ان يستنهضوا الهمم وان يرفضوا الظلم ويتغنوا بالحرية والكرامة وان يقدموا للناس صورة براقة عن القيم العربية الاصيلة وعن المجد القديم الذي يجب ان يعود من جديد , وعبروا عن الروح العربية الاصيلة الخالدة فقال الحلي :

سلي الرماح العوالي عن معالينا.... وسائلي البيض هل خاب الرجا فينا
لما سعينا فما رقت عزائمــــــــــنا.....عمــــــــــا نروم ولا خابت مساعينا

وقد احتوت كثير من قصائد العصر على فيض من المحسنات البديعية والزخارف اللفظية التي لم تفسد القصائد ولم تنتقص من جزالتها بل كانت قيمة الشاعر في ذلك الزمان هي بمقدار مايمكن له ان يزخرف أقواله او يلبسها لبوسا بلاغيا , ولنستمع الى قول الحلي في وصف الربيع :

خلع الربيع على غصون البـــــــان....... حللا فواضلها على الكثبـــان
ونمت فروع الدوح حتى صافــــحت....... كفل الكثيب ذوائب الاغصان

والزخرفة اللفظية واضحة في هذه الابيات .

ولم يقتصر الامر على الشعر المسبوك الجيد فرغم الالماعات العظيمة في ذلك الزمان ظهر نوع من شهر الفكاهة وأخذ بعض الشعراء يهتم بالموضوعات المبتذلة مثل وصف الناعورة لابن الوردي وتخلى الشعراء عن القصائد الطوال ولجؤوا الى المقطوعات الصغيرة وأخلوا بقواعد اللغة .
أما النثر الادبي في هذا العصر فقد اتبع السهولة في العبارة واستخدم الجمل الطويلة المترابطة وظهر مفكرون من أمثال ابن خلدون اهتموا بايصال الفكرة بابسط اسلوب وابتعدوا عن استخدام المفردات الغريبة او السجع الذي لامبرر له وجعلوا همهم التعبير عن افكارهم , وخير مثال على ذلك كمؤلف ابن خلدون "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر" ويقع في عدة أجزاء اهمها مقدمته التي احتوت على فكر فلسفي تاريخي اجتماعي لتطور الامم ومراحل نشوئها وانهيارها ويعتبر ابن خلدون مؤسسا لعلم الاجتماع , وكان لابد ان يستخدم نمطا من اللغة السهلة كي يعبر عن هذه الافكار الجديدة والنص التالي يشير الى ذلك :

"من أشد الظلامات وأعظمها في إفساد في العمران تكلف الاعمال وتسخير الرعايا بغير حق .... واعظم من ذلك في الدولة وافساد العمران والدولة التسلط على اموال الناس بشراء مابين ايديهم بأبخس الاثمان " .

وظهر أيضا في هذا العصر نوع آخر من الادب النثري هو السير الشعبية وهي نمط من القصص كتبها مغمورون من أبناء الشعب المسحوق وتعكس حال الوجدان الاجتماعي وجعلوا شخصياتها ابطالا يسعون الى تحقيق العدالة الاجتماعية ولو بالقوة , وقد لقيت مثل تلك القصص رواجا كبيرا بين عامة الناس الذين وجدوا فيها متروحا عما يلاقونه من ظلم ووعاء صبوا فيه رغباتهم الكامنة في التحرر والعدالة الاجتماعية ومن أمثال تلك السير سيرة عنترة , والملك الظاهر بيبرس والاميرة ذات الهمة وتغريبة بني هلال وحمزة البهلوان , وتعبر وصية الرشيد في سيرة علي الزيبق الى رغبة الوجدان الشعبي في ايجاد مجتمع عادل خال من الظلم والفساد وتروي الاسطورة الى تأثر الرشيد بالزيبق وافعاله فقرر كتابة وصية لأولاده يامرهم بالعدل بين الناس وهذا يدل بطبيعة الحال على ان السير لاتهتم كثيرا بالامانة التاريخية بقدر اهتمامها بترسيخ احلام الشعب المقهور .

ويشير أسلوب الكتابة في هذه السير إلى أنها ألفت في عصور عباسية متأخرة بلغ فيها الانحطاط الادبي والفكري والاجتماعي أوجه وجعل كتاب السير المجهولون همهم ان تكون هذه القصص ملاحم اسطورية بسيطة يتناقلها الجوالون وتروى في مجالس السمر وتكون محرضا وثورة على الواقع الراهن الذي تميز بضعف الامة وتراخيها أمام الاعداء الطامعين وبروز التفاوت الطبقي الحاد بين طبقتي الاثرياء والفقراء , وتمتاز القصص الشعبية رغم ركاكتها بصدق العاطفة وملامستها لوجدان الناس .

لقد كان هذا العصر انحطاطا سببه الواقع الاجتماعي المزري وتنازع المصالح واطماع الامم الاجنبية في امتنا العربية والفقر الذي عانى منه اغلب الناس فأخذ الناس يبحثون عما ينسيهم واقعهم , وكان لابد لهذا كله ان يترك أثره على الادب .

منقول .


fouzia
مشرف
مشرف

عدد المساهمات : 79
تاريخ التسجيل : 20/07/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى