ثنائية التاريخ و الجغرافيا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ثنائية التاريخ و الجغرافيا

مُساهمة  ahmed bechinia في الأربعاء يونيو 29, 2011 2:25 am

تعتبر مادة التاريخ و الجغرافيا وحدة شاملة كاملة في مقرراتنا , حتى أننا نجدها قد أسندت إلى أستاذ واحد , أوكلت له مهمة الجمع أو على الأقل محاولة الجمع بين موضوعين يمثل كل واحد منه علما قائما بذاته ,و بات من البديهي في الوقت الراهن أن نستمع و نجد ثنائية التاريخ و الجغرافيا و لكن : هلا استفسرنا عن ماهية العلاقة بين التاريخ والجغرافيا ؟ و ما سر هذه الثنائية التي اقترنت منذ زمن ليس بالقصير ؟
يمكن الجزم بأنه لا وجود لعلمين مقرنين في الساحة العلمية يمثلان ثنائية على الأقل في المناهج التربوية باستثناء لتاريخ و الجغرافيا ,و لا يجوز لنا إغفال أي واحد عن الأخر على الأقل في المقررات و البرامج الدراسية التربوية حتى المرحلة الثانوية , و لا يمكن حصر هذه الحقيقة في البرامج التعليمية الجزائرية , بل نجدها تقريبا معممة على العديد من دول العالم المتقدمة والسائرة في طريق النمو , لذلك نجد أنه كثيرا ما أسندت هذه المادة إلى أستاذ واحد , يأخذ على عاتقيه مهمة الجمع بين مواضيع علمين أو على الأقل تقديمها لطلبته في ثوب جلي واضح , و على الرغم من اختلاف منبع كل علم عن الأخر , إلا أن المشرف على هذه المادة يشعر وهو ينهل من المنبعين أن مسارهما إلى التقاطع . و لكن كيف ذلك؟
عند الوقوف على موضوع كل من الدراسة التاريخية و الجغرافية , نجد أنهما متباينان على الأقل نظريا , ففيما يختص التاريخ بدراسة الحادثة التاريخية تبحث الجغرافيا بفرعيها الطبيعي و البشري في سطح الأرض ظاهرا و باطنا , و لعل هذه النظرة السطحية هي التي جعلت الدارس و الطالب يقف وقفة استغراب و استعجاب عن فحوى الجمع بين علمين لكل منهما موضوعه , و لعل هذا السبب هو الذي جعل عددا ليس بالهين من الطلبة ينجح في الإجابة عن أسئلة التاريخ و يفشل في تقديم الأمر نفسه على موضوع الجغرافيا, أو لا تحذوه الرغبة في الإجابة عن أسئلة إحدى الموضوعين –التاريخ أو الجغرافيا – على الرغم من أنهما قدما في قالب واحد أو على ورقة اختبار واحدة .!
لما كانت الجغرافيا تحمل في مفهومها أو مدلولها البسيط وصف الأرض , فلا يظن عاقلا أن هناك حادثة تاريخية خارجة عن نطاق سطح الأرض ,بمعنى أنه لا يمكن إغفال المكان- سواء اصطلحنا عليه بالموضع او الموقع⁽¹⁾-عند الدراسة أو تناول أي حادثة تاريخية , لذلك نجد الكثير من أساتذة المادة و الباحثين يقفون طويلا و بتمعن و استبصار عند تقديم دروسهم و أعمالهم عن المقاومات و الحروب مثلا , و يعطون حيزا ليس بالضيق لموقع الحادثة التاريخية – حرب أو مقاومة ...- لأن الدروس التاريخية بينت أن منظمي المقاومات يولون الأهمية البالغة للمكان –الموقع – فأحمد باي رائد المقاومة الشرقية بالجزائر (1830-1848) اعتمد على حصانة قسنطينة عند محاولة الاستعمار الفرنسي اقتحام أسوارها عام 1836 ,و الأمر نفسه عند قائد المقاومة الغربية الأمير عبد القادر الذي اعتمد على حرب العصابات و الكر و الفر في مقاومته للاحتلال معتمدا بالدرجة الأولى على معرفته بخبايا طبيعة منطقته جغرافيا , و لعل اعتراف الجنرال الفرنسي “بيجار‟ عند احتماء وطيس ثورة الفاتح نوفمبر خير دليل على دلك إذ صرح «تركت أسناني بالأوراس⁽²⁾ ..», كما لعب الحاجز الطبيعي دورا بالغ الأهمية في تأخر تقدم الاستعمار الفرنسي للصحراء الجزائرية لصعوبة اقتحام السلسلة الأطلسية الصحراوية . كما أن الدارس لتاريخ المسلمين و فتوحاتهم يدرك حق الإدراك أن معرفة طبيعة المنطقة ييسر عملية التقدم للفتح , لذلك تردد الخليفة عمر بن الخطاب عند طلب واليه على مصر عمرو بن العاص فتح افريقية (تونس حاليا و هناك من يضيف الشرق الجزائري ) بل رفض السماح له قائلا :
«إنها ليست بافريقية و لكنها المفرقة » و قد أرجع ثلة من الباحثين سبب رفض خليفة المسلمين السماح بالتقدم غرب مصر إلى جهله لطبيعة المنطقة و عدم رغبته في المغامرة بالمسلمين في أرض لا يعرفونها , و لعل هذه هي الحقيقة التي كانت وراء إيجاد الفاتحين المسلمين لصعوبات شتى في فتوحاتهم نحو هذه البلاد , حتى أعرب ابن خلدون على أن سكان هذه المنطقة ارتدوا أكثر من مرة , مستعينين بحصانة جبالهم للرد على الفاتحين .
و لكن : إذا كانت الجغرافيا بفروعها و خباياها تفتح الأفاق للوقوف على الحادثة التاريخية أو على الأقل المساهمة في تقديم تفسير واضح و جلي لمجرياتها , و تقدم للدارس و الباحث أدوات تساعده في الكشف عن موضوعه , هل يقدم التاريخ مساعدة للجغرافيا في فهم بعض ظواهرها ؟ و هل يمكن إغفال التاريخ جملة و تفصيلا عند دراستنا للظاهرة الجغرافية ؟
إذا كانت للجغرافيا يد على التاريخ و المساهمة في تفسير بعض حوادثه , فان لعناصر الحادثة التاريخية من زمان , مكان و إنسان دخلا في تفسير بعض الظواهر الجغرافية و تجلية الصورة أمام الدارس , فالجغرافي عند الوقوف مثلا على تفسير إحدى مظاهر التوطن البشري نجده يرجع إلى التاريخ و يتتبع تواجد ذلك الجنس زمنيا , فالجغرافيا البشرية تستدل بالعنصر الزمني و لا يمكنها أن تغض الطرف عنه أثناء تفسير ظواهرها فتمسك سكان وادي سوف بالصحراء الجزائرية بموطنهم رغم قسوة المناخ و ظروف الطبيعة القاهرة و رفض القبائل الكبرى بالشمال الجزائري مغادرة الجبال القاطنة بها لا يمكن أن يفسر دون فهم العنصر الزمني و الوقوف على تاريخية تلك المنطقة فالصحراء كانت منذ القدم بيئة لنشاط بشري معين و كذلك كان اللجوء إليها طلبا للامان و لصعوبة لحاق العدو خاصة إذا كان غريبا عن المنطقة , و لعل حصانة الجبال بالشمال الجزائري و تربعها على ثروات مائية هامة هي الدافع وراء تمسك القبائل الكبرى بها فقد حمتهم بالأمس من أعدائهم و تساعدهم اليوم في نشاطهم ,و لعل هذا ما يبين لنا أهمية المكان سواء في الدراسة التاريخية أو الجغرافية , و هذا ما تبينه لنا الجغرافيا الحضارية عند دراسة حضارات المجتمعات القديمة و حتى الحديثة (الموقع أو الموضع ) فالفراعنة شيدوا أرقى الحضارات بوادي النيل حتى عبر هيرودوت الملقب بأب التاريخ أن «مصر هبة النيل » و كذلك الأمر بحضارة العراق التي اصطبغ اسمها برافدين : دجلة و الفرات , و لنا في العصر الحديث مثالا على ذلك من انجازات المجتمع الياباني و حضارته الملقبة بحضارة المعجزات , كيف لا ؟ و قد تحدى الفرد الياباني موضع بلاده المعرض لأعتى الزلازل و أشدها , و نجح في تصميم منجزات مادية وقفت أمام الظرف الطبيعي ,و لم يتسنى له ذلك حتى درس تاريخ منطقته جيولوجيا و بالتالي لم يغفل الدراسة التاريخية لأنه على الأقل استعان بالبعد الزمني للظاهرة .

نستخلص في الأخير من خلال هذا التقديم الموجز وجود عروة وثقي بين التاريخ و الجغرافيا , من حيث تقديم كل علم للأخر وسائل و تفسيرات تساعده في كشف الصورة , و تقريب الحقيقة العلمية , فالطالب الجاد هو الذي يدرك قيمة الدراسة التاريخية مستندا في فهمها و تفسيرها على بعض المعطيات الجغرافية إن أمكن , و الأمر نفسه بالنسبة للباحث عن حقيقة الظاهرة الجغرافية فلا يمكنه أن ينكر دور الجانب التاريخي في بلورتها على الشكل الذي عليه الآن , و يكفي أن كل من الحادثة التاريخية و الظاهرة الجغرافية محركها واحد وهو الانسان , و لعل هذا ما سمح للمشرفين و المقررين لمناهجنا التربوية بضم العلمين معا أملا في تيسير فهم الظواهر و المواضيع المختلفة , و أمكن لبعض العلماء و الباحثين و شجعهم على تدعيم هذه الثنائية بفرع اسمه : الجغرافيا التاريخية .
شرح أهم المصطلحات الواردة في النص :
⁽¹⁾الموضع :يدل على الصفات الطبيعية لمنطقة ما مثل التضاريس و المناخ و التركيب الجيولوجي .في حين الموقع يدل على بيان مركز ما و حدوده و علاقاته بالمناطق المحيطة به .


⁽²⁾ الأوراس : من أبرز الجبال الجزائرية ,تنتمي الى السلسلة الأطلسية الصحراوية بها أعلى قمة بالشمال الجزائري و هي قمة الشيليا 2328 متر و قد لعبت دورا بالغ الأهمية في الثورة و كانت معقلا حصينا للثوار .

ahmed bechinia
Admin

عدد المساهمات : 500
تاريخ التسجيل : 28/06/2011
الموقع : العيون،القالة،الطارف.

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://bechiniaahmed.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى