التراث الثقافي غير المادي في منطقة الطارف...الحلقة الثانية.

اذهب الى الأسفل

التراث الثقافي غير المادي في منطقة الطارف...الحلقة الثانية.

مُساهمة  ahmed bechinia في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:59 am

[u] التراث الثقافي غير المادي في منطقة الطارف:[/u]
يعد تعريف "ادوار تايلور" للثقافة، من أشمل التعريفات و أكثرها شيوعا حتـى الآن، و قد ذهب فيه إلى أنها "كل مركب يشتمل على المعرفة و المعتقدات و الفنون و الأخـلاق و القانون و العرف، و غير ذلك من الإمكانيات و العادات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضوا في المجتمع".

و يكتسي هذا التعريف قيمته من خلال إبرازه العناصر اللامادية لحياة الناس في جماعة كالمعارف و المعتقدات و الفنون و الأخلاق و القانون و الأعراف و العادات و كلها تنشأ نتيجة للتفاعل الاجتماعي. و يتقاطع هذا التعريف مع ما حددته منظمة منظمة اليونسكو في اتفاقية 2003 و المتعلقة بالمحافظة على التراث الثقافي غير المادي (مادة 1-2) حيث تعرف التراث الثقافي غير المادي بكونه "الأعمال" التمثلات، التعابير و المعارف، بالإضافة إلى الأدوات و الأشيــاء و المجالات الثقافيــة المرتبطة بها، التي تعتبرها المجتمعـات و الجماعات بل و الأفراد جزءا من تراثها الثقافي".
و تتوفر منطقة الطارف على تراث ثقافي غير مادي غني و متنوع و لا يزال حيّا لكنه بدأ يفقد شيئا فشيئا من تلك الحيويـة بفعل ظواهر المجتمعات الحديثة من عصرنــة و هجرة و تعمير التي تعمل بلا رحمة من أجل سحب قيم الأصالة و العراقة عن مجتمعاتنا اليوم. و يتكون تراث المنطقة من كل أشكال التعبير التقليدي الذي نجده في جل المجتمعات التي تعمل جاهدة على المحافظة علي قيمها الأصيلة المكونة لهويتها و نجد ضمن هذا النوع من التراث خمسة فروع أساسية و هي: المعتقـدات و المعارف الشعبية، العادات و التقاليد الشعبية، الأدب الشعبي، الأمثال الشعبية، الأفراح الشعبية. و سنعمل في هذا الجانب من الدراسة على رصد هذه الفروع و التمثيل لها بنماذج – ما أمكن ذلك.

أ- المعتقدات و المعارف الشعبية:
تعتبر المعتقدات و المعارف الشعبية، عنصرا هاما من عناصر التراث الشعبي، و يقصد بها
"تلك الأفكار التي يؤمن بها الشعب فيما يتعلق بالعلم الخارجي و ما وراء الطبيعة" . و هي لدى المجتمع الشعبي –قيد البحث- إما نابعة من نفوس أبنائه بدافع حب الاستطلاع الذي جبل عليه الإنسان عموما، أو كانت معتقدات مذهبية بائدة، كالأرواحية، و الفيتيشية، و الطوطمية، أو معتقدات دينية كالإسلام أو المسيحية أو ما إلى ذلك.
و من المعتقدات النابعة من نفوس أبناء المجتمع –مناط الدراسة- التنجيم، و قراءة الكف، و قراءة الفنجان، و قراءة خط الرمل، و هي كلها نابعة من خوف الإنسان من المستقبل، و ما تخفيه عنه الأقدار، أو نابعة من حب المعرفة و الاستطلاع.
و فيما يخص الاعتقاد في المذاهب البائدة، نجد رواسب ذلك في سلوكات مجتمع المنطقة و تراثه الشعبي، إذ مازالوا يستحضرون الأرواح (المذهب الروحي)، و يعتقدون في قوة و فاعلية أشياء السلف (المذهب الفيتيشي)، و يسمون الأماكن تسميات لها علاقة بالنبات أو الحيوان من مثل "عين خيار، الزيتونة، عين الكرمة عين العسل …" و كذلك الأشخاص مثل "غزال، الوحشي، بومعزة، خروفة، بونعجة …"
و فيما يخص المعتقدات الدينية، فان مجتمع المنطقة بمقوماته الثقافية و الحضارية و التاريخية، جزء من المجتمع الجزائري المسلم، و من الشواهد الدالة على ذلك، الثقافي في بناء المساجد، و توفير المفتي و الطالب و الإمام و مشايخ الزوايا التي كانت قائمة بالمنطقـة (*)، و الإيمان بوحدانية الله، و التسليم له بالربوبية، كما يؤمنون بالقضـــاء و القدر و الرسل و الكتب، و يقيمـون أركان الإسلام، و يحرصون على تعلم العربيــة و حفظ القرآن و التفقه في الدين. و بالإضافة إلى هذه المعتقدات هناك أفكار و معـارف و أحاسيـــس كونها المجتمع حول مختلف الظواهر الطبيعية، منها ما يتصل بالمنـاخ و تغيراته، أو بالبيئة و علاقاتها، و منها ما يتصل بخصائص الأيام و الشهور و الفصول، و من الشواهد التراثية الدالة على ذلك:
- ما يِحْسِبْ جِدْيانَهْ و خِرْفَانُهْ حتّى تْفُوتْ ﭭِرَّةْ حَيَّانَهْ (*)
- فُورَارْ إيبوِّل لُعْزُوزْ بِحذَا النّار(*)
- مارس إبيضْ فيه لحْجِلْ و الجْرَارِسْ
- في إبرير تطْلَعْ السْبولة من ﭭَاع البير(*)
ضف إلى ذلك فكرة المجتمع التقليدي عن الكون، بدءا بالأرض، إذ أنها موضوعة على قرن ثور، و أن القمر يضم صورة امرأة مشنوقة عقابا لها لأنها مسحت فضلات ابنها برغيف خبز، و ظهور قوس قزح يعني أن الذئب أقام عرسا احتفالا بتمكنه من التهام عنصر من القطيع … و غير ذلك من التصورات.
أما فيما يخص الظواهر النفسية، فقد قاموا لها العديد من التفسيرات. فالعين عندما ترفّ، فإن الأذى سيلحق بصاحبها، و في هذه الحالة فإن ترديد عبارة "كانِكْ عالخِيرْ رِفّي و كانِكْ عالشَّرْ كِفّي" حاضر لدى إنسان المنطقة و المقام يضيق لسرد مختلف التصورات و الأفكار المتعلقة بالمياه، و النباتات، و الحيوانات، و اللحوم، و الكلمات، و الأعداد …

ب- العادات و التقاليـد الشعبيــة:
لا تقل العادات و التقاليد الشعبية أهمية عن المعتقدات و المعارف، نظرا لسعة انتشارهـا و تفاعل عناصر المجتمع معها، و استنادها لتراث يدعمها، و سلطتها القوية على الناس، و ارتباطها بالمكان ارتباطا وثيقا.
و من العادات و التقاليد التي يحرص المجتمع الشعبي – قيد الدراسة- على تكريسها إلى يومنا هذا، ما اتصل بالأعراس (العرضة، الحنّة، الدخلة)، و طقوس النفاس (وضع الموس تحت وسادة المرأة النافس، و تدوير كعبة رجلها اليمنى بقطعة قماش حمراء، تحتوي على السينوج و الملح و القمح …)، و الاحتفال بقدوم الربيع، و جزّ الصوف، و جني المحاصيــل الزراعية، و ما يرافقهـا من أهازيج، و عادات النــوم و الجلوس و الكلام، و الاستماع …
و نسجل في هذا المقام انتشار تقليد "الزردة" و ممارسة المجتمع لشعبي له إلى غاية كتابـة هذه الأسطر، و ما يصاحبـه من إقامة الحفلات على قبور و أضرحة الأوليـاء، و طلب العون منهم، و الوليّ في المنطقة رجل كان يقوم بمهمة التعليم و التوجيه إلى جانب وظيفته الحربية، فأطلق عليه اسم (المرابط)، لأنه كان يرابط على الثغور لحماية أهله و مجتمعه و دينه من هجمات الأعداء. و مع مرور الزمن تغير مفهومه،و أصبح يطلق على كل زاهد في الدنيا، و عندما يموت يبنى على قبره بيتا بقبّة يطلق عليه لفظ (الجامـع)، أو (المـزارة) أو (القبّـة)، مثل (قبّة علي بلعجمي) بمنطقة وادي الحـوت، و (جامع سيدي خالد( و (زاوية جدّي محمّد) بمنطقة العيون، و (جامع جدّي طراد) بمنطقة الزيتونة، و (جامع جدّي بوضبيبة) بمنطقة عين الكرمة. و السكان يزورون هذه الأماكن باستمـرار و يأخذون معهم بعض المأكولات مثل الطمينـة(*) ، و العصيـدة(*) و الغرايف(*)، و يقومون بإشعال الشموع و حرق البخور و غير ذلك . و مما كانوا يرددونه أثناء زيارتهم لهؤلاء الأولياء الصالحين قولهم: "أمر الله و أمر الصالحين نهار لربعا رُسْمانْها، و نهار لخميسْ فرﭭانها"، و كذلك قولهم: "براكْتِكْ أجدّي فلانْ هذي ليـكْ و لُمّاليكْ (*)، و نِحْنَا نستنّوا وقْتاه إنجو ليكْ، هذي لَعصيدة على راسكْ" و أيضا قولهم: "يعطينا بَرَكْتَاكْ أجدّي فلان، لفظة ليك و لفظة لِيَّا، ليكْ لفظيّة آ جدّي فلان على اكتاف أولَيْلاه الصالحين، ليكْ عصيدة و الجاوي و الشمع، نوكِّلْ ربي و جدودي الغاليين".

ج- الأدب الشعبـــــي:
يحتل الأدب الشعبي مكان القلب في جسم الإنسان في التراث الشعبي غير المادي، و له أهمية قصوى في التراث الثقافي لأيّة أمة من الأمم باعتباره أدب عاميتها التقليدي الشفاهي المتوارث جيلا عن جيل و المعبر عن ذاتية الشعب و المستهدف تقديمه الحضاري، الراسم لمصالحه، فهو بذلك نتاج اجتماعي و تاريخي هام، تعبّر من خلاله الجماعة الشعبية عن توجيهات و آراء اجتماعية و نفسيّة لها ما يبررها في واقعها الاجتماعي. و أما أنواع الأدب الشعبي فهي "الأسطورة و الخرافة و الشعر و الأقوال السائرة و الأمثـال و الألغاز و الأقوال السحريـة و الموسيقى و الرقص و العــادات و الممارسات و المعتقدات و المهارات الفنيـة ،و هنا سنقصر الحديث في هذا العنصر من عناصر التراث الثقافـي غير المادي في منطقة الطـارف على أدب الحكاية الشعبيــة، و الأمثال، و الأفراح الشعبية، محاولين استقراء طرائق تفكير إنسان المنطقة من خلال هذه الأشكال التعبيرية و مدى تعبيرها عن نفسيته.
ترقبونا إذن في الحلقات القادمة...
المصدر: مداخلـة لـ : الأستـاذ: مولدي بشينيـة أستاذ بالمركـز الجامعـي بالطــارف
ألقيت ضمن فعاليات الوفد الثقافي لولاية الطارف بالجزائر العاصمة في إطار الجزائر عاصمة للثقافة العربية .
عنـوان المداخلة: التراث الثقافي غير المادي في منطقة الطارف: أشكاله و آفاق توظيفه .
avatar
ahmed bechinia
Admin

عدد المساهمات : 500
تاريخ التسجيل : 28/06/2011
الموقع : العيون،القالة،الطارف.

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://bechiniaahmed.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى