التراث الثقافي غير المادي في منطقة الطارف...الحلقة الأولى.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

التراث الثقافي غير المادي في منطقة الطارف...الحلقة الأولى.

مُساهمة  ahmed bechinia في الأحد يوليو 10, 2011 12:38 pm

التراث الثقافي غير المادي في منطقة الطارف: أشكاله و آفاق توظيفه
(*)ألقيت من طرف الأستاذ بشينية مولدي _أستاذ المركز الجامعي بالطارف_ ضمن فعاليات الوفد الثقافي لولاية الطارف بالجزائر العاصمة في إطار الجزائر عاصمة للثقافة العربية .

تقديــم:

تندرج مداخلتي في سياق الجهود المبذولة من قبل المشتغلين في حقل التراث الشعبي الجزائري الهادفة إلى جمعه و حفظه و دراسته، كما أعدها تلبية للنداءات المستمرة الصادرة عن مديرية الثقافة بولاية الطارف و المسايرة للأنشطة التي تقوم بها منظمة اليونسكو الرامية إلى تنمية الوعي بأهمية التراث الثقافي غير المادي، و بضرورة التعاون الوثيق بين المبدعين و المالكين و الجمعيات و الوكالات المحلية لتعزيز الجهود من أجل تسيير التعريف بهذا التـراث و المحافظة عليه، و لما لا إدماجـه في عملية التنمية كي تتحقق له الفاعليـة و الاندماج و العالمية أيضا.
و تتخذ ذات المداخلة من منطقة الطارف مجالا لها، و من تراثها الشعبي غير المادي موضوعا للدراسة، منطلقة في ذلك من ملاحظة لا يختلف فيها اثنان من المشتغلين في هذا الحقل، و تتمثل في تلك المكانة العالية و المرموقة التي يحوزها التراث الشعبي غير المادي في نفسية و وجدان الإنسان عموما و إنسان منطقة الطارف على وجه الخصوص؛ و قد تجلى ذلك بوضوح في تعابيره و طرائق تفكيره أيضا. و مادام الأمر كذلك؛ أي "ما دام التراث الشعبي إبداع عفوي أصيل يحمل ملامح الشعب، و يحفظ سماته، و يؤكد عراقتـه، و يعبر بصدق عن همومه اليومية و معاناة أفراده على مختلف مستوياتهم، و هو صورة لروحهم العامة و شعورهم المشترك" (1) ، فهل يمكن الاستثمار فيه وفق خطط و برامج تنموية معقلنة و مدروسة مما يحقق للمحتفين به النماء و الرخاء و يحقق له هو ذاته الفاعلية و الاندماج و المشاركة و العالمية أيضا ؟
و للإجابة عن هذا السؤال ستقوم الدراسة في شقّها الأوّل بالتعريف بالمنطقة مناط الدرس بإيجاز، ثم تتوجّه لرصيـد الأشكال التعبيرية المختلفة لتراثها الشعبي غير المـادي، و التمثيل لها بمواد حيّة جارية الاستعمال عند أهاليها، و البحث بعد ذلك في الدور الذي يضطلع به هذا العنصر الثقافي الهام، و المكانة التي يحتلّها في قلوب و وجدان حملته. أما الشقّ الثاني من الدراسة فسينحصر في استعراض أنجح السبل للمحافظة على هذا المكوّن الثقافي، و اقتراح الخطط القمينة بحمايته و استمرار يته، إذ نعتقد أن أنجح السبل لتحقيق ذلك تكمن في إدماجه في عملية التنميـة المحليّة، فهو بهذا الإدماج يضمن بقائــه و فاعليتـه و نجاعته و مشاركته في عملية العولمة، و يضمن لحملته و المحتفين به الاستقرار و النماء و الرخاء كذلك.

التعريف بمنطقة الطارف: المكان و الإنســان:
أ- المكـــــان:

الطارف منطقة حدودية يغلب عليها الطابع الجبلي، و يعتمد اقتصادها على الفلاحـة و السياحة. تقع في الشمال الشرقي للجزائر، يحدها من الشمال البحر الأبيض المتوسّط و من الجنوب منطقتــا سوق أهراس و قالمة و من الشرق القطـر التونسي و من الغـرب منطقة عنابـة.
تنال الطارف نسبة لا بأس بها من الرطوبة، و تنزل بها الثلوج، و يكسوها غطاء غابوي مخضر طوال العام، و من أشهر أشجارها: "الصنوبر و البلوط، و السنديان و بوحداد و الزان و الصفصاف و الكاليتوس و الزيتون و الضرو و الخروب و الدردار و غيرها" (2) و تزدهر فيها كذلك النباتات الرعوية في مناطق سفوح الجبال و بجوار الأودية و في السهول كنبتة "الطرفاية" التي تستلذها الماشية و ترعاها.
و لم يعرف أهالي منطقة الطارف الحاليين لمنطقتهم اسما غير الذي هي عليه الآن و ليس لديهم – فيما نعلم- ما يشفي الغليل فيما يخصّ سبب التسمية؛ فهنا الكلّ يجمع على فرضية تطرّفها عن باقي المناطق عبر الوطن، و وقوعها في أقصى أطرافه الشرقية. إلاّ أنّ هذه الفرضية سرعان ما تضعف، لأن المستقرئ للموقع الجغرافي في الوطن كلّه
يرى أن "الطارف" ليست الوحيدة فيه التي تقع متطرّفة. و لكن لماذا حملت هذا الاسم ؟
لم تتصدّ المراجع التي بحوزتي أثناء تعرّضها لتاريخ المنطقة الشرقية للإجابة عن هذا السؤال؛ لذلك رجعتُ إلى المعاجم العربية باحثا عن دلالة لفظ "الطارف" فوجدتُ أن من معاني مادّة [ط- ر- ف] في لسان العرب: "الطريفة ضربٌ من الكلأ، و هي شجر ليس له خشب، و إنّما يخرج عصيّا سمحة في السماء … تستلذّه الماشية فترعاه .. و واحدتها طرفاءة"(3) أو "طرفاية" على لهجة أهالي المنطقة الذين يقلبون الهمزة ياءً في آخر الكلمة.
و شجرة "الطرفاية" تتواجد بشكل لافت للنظر في منطقة الطارف؛ الكبير و الصغير من أهاليها يعرفها، لذا اعتقد أن أصل التسمية يعود إليها؛ خاصّة إذا عرفنا أن ظاهرة تسمية الأماكن و منها المدن بأسماء النباتات و الأشجار المتواجدة بها أو التي كانت متواجدة بها، ليست بالغريبة عن المجتمع الجزائري عموما؛ فمدينة عنابة مثلا اسمها مشتقّ من شجر "العنّاب" و في منطقة الطارف توجد مدن كثيرة موسومة بأسماء النباتات و الأشجار، كعين الكرمة و الزيتونة و عين خيار…
و فيما يخص رصيد المنطقة التاريخي، فإن الشواهد التاريخية المادية المنتشرة في ربوعها تُشير إلى ثرائه و تنوّعه و قدمه؛ فقد جاء في الوثيقة التي قدّمتها مديرية الثقافة بولاية الطارف للمشاركين في الملتقى الوطني للأسلاك الشائكة سنة 1998 "إنّ علماء الحفريات يُرجعون تعمير المنطقة إلى العصر الحجري القديم" إذ اكتُشف في مناطق مختلفة منها أدوات تؤكّد وجود الإنسان بها في هذه الفترة. كما تمّ العثور على آثار إنسان العصر الحجري القديم الأوسط بمنطقة خليج المقصبة الكبرى، و مشتة الكليبـة و فجّ العلايق … و المقام لا يسمح بتتبّع تاريخ المنطقة خلال العصور الأخرى المتعاقبة، إلا أن ما يجب الإشارة إليه: أن المنطقة - من خلال الشواهد المادية المتبقية- لها تاريخ ضارب بجذوره إلى عصور ما قبل التاريخ إلا أن ندرة الوثائق و قلّة الدراسات التي من شأنها أن تقرأ تلك المعالم أمرٌ جعل الحديث عن تاريخها ضربٌ من ضروب المجازفة. أما الدراسات التي راجعناها فقد وجدنا أنّها تتناول المنطقة كجزء ليس له خصوصياته التي يتفرّد بها عن منطقة عنابة أو "بايليك" قسنطينة.

ب- الإنســــان:
يتألّف المجتمع في منطقة الطارف من عناصر عديدة، تلاحمت و تفاعلت و اندمجت فيما بينها بفضل وحدة العقيدة و اللّغة اللّتين جاء بهما الدين الإسلامي الحنيف إلى هذه البلاد في مطلـع القرن السابع الميلادي و ما ترتّب عنهما من مظاهر حضارية مختلفـــة نمت و ترعرعت خلال خمسة عشر قرنًا من الزمن.
و تتكوّن التركيبة البشرية للمجتمع التقليدي في منطقة الطارف من العائلة ثم القبيلة فالعشيرة فالعرش؛ و يتألّف هذا الأخير من عدّة قبائل و عشائر مختلفة الأصل و المكانــة و الأعراف و التقاليد الاجتماعية و الاقتصادية، و لكلّ منها زعيمها و كبيرها الذي يمثّلها في مجلس العرش و يدافع عن مصالحها، و يسمّى في منطقة الطارف "الشاوش" أو "الكبيــر" و يحدث أن يتألف العرش من قبائل ذات أصل واحد، و يتزعّمه شخص أو مجموعة أشخاص يُختارون على أساس كبر السّن و التجربة و الثقافة و الوعي و الشرف و الشجاعة و الغنى أو بعضها. و يمثل الشريط الحدودي الرقعة الجغرافية التي تتمركز فيها مختلف الأعراش الممثلة للتركيبة البشرية في المنطقة.*
و الأمر الذي يستحقّ الذكر، هو أن المحافظة على الانتساب إلى العرش تنتقل من جيل إلى جيل، و يتمّ تكريسها بصورة و سلوكات مختلفة من بينها احترام تراث الأسلاف المادي و غير المادي، سواء في المناسبات الاجتماعية كالأفراح و الأتراح، أو في المناسبات الدينية كالأعياد الإسلاميـة أو ما تعلق بأعياد الأعراش؛ كالزردة و الوزيعــة و الورية.* أو المناسبات السياسية كالانتخابات المحلية و الولائية خاصة؛ و الغرض من المحافظة على ظاهرة الانتساب هذه، هو تقوية التماسك الاجتماعي و تعزيزه، و يبدو ذلك من خلال عبارات "البركة"، "الشرف الأكبر" و كلّها تعبّر عن الموقع الروحي و الاقتصادي و السياسي للعرش.
و ينتظم المجتمع التقليدي في المنطقة مناط الدرس، انتظامًا واضح المعالم يهدف في مجمله إلى تكريس الولاء لإرث الأسلاف و ضمان استمرار يته اعتقادًا منه أن الولاء لإرث الأسلاف يضمن بقاء الفرد و الجماعة؛ فهو بذلك من أقدس مقدّسات الجماعة لارتباطه بعنصر "ضمان البقاء".
و يعدّ التنظيم العائلي من أبرز مظاهر التنظيم الاجتماعي في المجتمع التقليدي بمنطقة الطارف؛ فالعائلة التقليدية موسعة تعيش في أحضانها عدّة عائلات تحت سقف واحد، تسمى "الدار الكبيرة" و يمثّل الأبّ و الجدّ، القائد الروحي للعائلة و المسيّر و المخطط و المموّن لها. و النسب في العائلة ذكوري و الانتماء أبويّ، و يبقى انتماء الأم لأبيها. أما الميراث فينتقل من الأب إلى الابن الأكبر بحجّة المحافظة على الإرث العائلي بمختلف أشكاله.
و من المظاهر الاجتماعية أيضا، تزويج البنت في سنّ مبكّرة و عدم إشراكها في الإرث إذا ما تزوّجت إلاّ في ظروف خاصّة. و "الحشمة" من ذكر اسم الزوجة فتنادي بعبارات مثل: "الدار، العيلة، أم لولاد، الفاميلة، المخلوقة …" متبوعة بعبارة "حاشاك" و قد يدلّ ذلك على نظرة دونية لجنس الأنثى عمومًا؛ فكلمة (حاشاك) تقال لتستثني الرجل أن يكون من ذلك الجنس من جهة، و من جهة أخرى لأنها (المرأة) في عرف العامة نجاسة و المقصود: "حاشاك أن يمسّك النجس".
و لممثل الدين (الإمام، المفتي، الطالب، مؤدب الأطفال) مكانة خاصّة لدى الأهالي؛ فبالإضافة إلى حضوره الأكيد في مختلف العبادات، فهو يحضر كذلك في ميادين المعاملات؛ كالإرث و الزواج و الطلاق و الشفعة و الرهن، و مختلف المصالحـات و يصل الأمر إلى حدّ أنّ اسم المولود الجديد يتمّ اختياره من قبل "الطالب"و ذلك حتى تكون له علاقة بالكواكب و يحفظه الله من المصائب.
و التمسّك بالدين الإسلامي لم يمنع ظهور أو بقاء بعض الممارسات الخرافية الأسطورية كالإيمان بقدرة الموتى على حماية و منح الأطفال و الأموال، و منع المصـائب و الشفاء من الأمراض و الأسقام، و إقامة "الزردات" على قبورهم و أضرحتهم و الإيمان بجدوى التمائم و التعاويذ و "الحــروز" في معالجة الأمراض و الزهد و التقشف في الحياة و التواكل أحيانًا.


المصدر:http://el1taref.maktoobblog.com/16/التراث-الثقافي-غير-المادي-بمنطقة-الطارف/
avatar
ahmed bechinia
Admin

عدد المساهمات : 500
تاريخ التسجيل : 28/06/2011
الموقع : العيون،القالة،الطارف.

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://bechiniaahmed.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى